تفسير الآية 130 من سورة البقرة

{ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } 130 هذه الآية نتيجة لما تقدمها من الآيات ، فلما بين فضائل إبراهيم من قوله { وإذ ابتلى } في الآية 124 إلى الآية 129 ، عُلم أن صاحب هذه الفضائل لا يَعدل عن دينه والاقتداء به إلا سفيه العقل (تفسيرابن عاشور) فجاءت الآية في صورة استفهام فيه إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء، { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ ِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } (تفسير الزمخشري) حيث إنه خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلاً، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء (تفسير ابن كثير) فكان في ذلك توبيخ من رغبوا عن اتباع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من يهود المدينة والنصارى ومشركي العرب لأن اليهود إنما يفتخرون به لما بينهم وبين إبراهيم من نسب ، والنصارى افتخارهم بعيسى وهو منتسب من جانب الأم إلى إبراهيم ، وأما قريش فإنهم إنما نالوا كل خير في الجاهلية بالبيت الذي بناه ، ومرجعهم إلى إسماعيل فهم يفتخرون بإسماعيل بن إبراهيم وبما أعطاه الله تعالى من النبوة، فرجع عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم عليه السلام، ولما ثبت أن إبراهيم عليه السلام هو الذي طلب من الله تعالى بعثة هذا الرسول في آخر الزمان ، فالعجب ممن أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام، ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوة إبراهيم عليه السلام فلا شك أن هذا مما يستحق أن يتعجب منه. (تفسير الرازي) -------------------------------------------------------------------------- * يقال رغب فى كذا إذا أراده، ورغب عن كذا إذا كرهه وانصرفت عنه نفسه (تفسير طنطاوي) -----------------------------------------------------------------------------* أن المراد بملة إبراهيم هو الملة التي جاء بها محمد عليه السلام لأن المقصود من الكلام ترغيب الناس في قبول هذا الدين فهو عين ملة إبراهيم في الأصول أعني التوحيد والنبوة ورعاية مكارم الأخلاق، وإن كان يختلف في فروع الشرائع وكيفية الأعمال. (تفسير الرازي) وهذا قوله: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } [الحج: 78] ، { ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } [النحل: 123]. (تفسير القرطبي) -------------------------------------------------------------------------- { إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ }. * السفاهة خفة العقل واضطرابه (تفسير ابن عاشور) * وسفهه بمعنى استخفه وأهانه لأن الاستخفاف ينشأ عنه الإهانة (تفسير ابن عاشور) * { سَفِهَ نَفْسَهُ }. تعني أن السفاهة تمكنت من نفسه وأعماقه ، فسرت من النفس إلى صاحبها من شدة تمكنها بنفسه (تفسير ابن عاشور) -------------------------------------------------------------------------- { وَلَقَدِ اصطَفَـيْنَاهُ فِـي الدنْـيَا }. { وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فى ٱلدُّنْيَا } أى اخترناه للخلة والإمامة و اخترناه للرسالة والنبوة وهداية الناس وإرشادهم فى الدنيا. * ثم إنه تعالى لما حكم بسفاهة من رغب عن ملة إبراهيم عليه السلام في بداية الآية ، بين السبب فقال: { وَلَقَدْ اصطفيناه فِى ٱلدُّنْيَا } (تفسير الرازي) * { وَلَقَدِ اصطَفَـيْنَاهُ فِـي الدنْـيَا { وَإِنّهُ فِـي الآخِرَةِ لَـمِنَ الصالِـحِينَ } ، هاتان الجملتان مؤكدتان، أما الأولى فمؤكدة بمؤكد واحد هو (اللام)، وأما الثانية فمؤكدة بمؤكدين اثنين هما (أن واللام). لأنه لما كان إخباراً عن حالة مغيبة في الآخرة، احتاجت إلى مزيد تأكيد. -------------------------------------------------------------------------- { وَإِنّهُ فِـي الآخِرَةِ لَـمِنَ الصالِـحِينَ }. فيها بشارة له بصلاح الخاتمة ووعد له بذلك فكم من صالح فى اول حاله ذهب صلاحه فى مآله. (تفسير اسماعيل حقي) وهذه مسألة هامة ففي الحديث عن عبد بن مسعود ( رضي الله عنه ) أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " فَوَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وإنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا.(صحيح مسلم) -------------------------------------------------------------------------- * وفي سبب نزول هذه الآية روي أن عبد الله بن سلام ( رضي الله عنه ) دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما قد علمنا أنّ الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون. فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم، فنزلت. (تفسير الزمخشري)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما الفرق بين إبليس والشيطان؟

أحسن طرق التفسير

أقدم وسائل حفظ القرآن